ابن العربي

958

أحكام القرآن

فإن قيل : فقد روى البخاري وغيره في كتاب أبى بكر الصدّيق بالصدقة : ومن بلغت صدقته بنت مخاض ، وليست عنده ، وعنده بنت لبون ، فإنها تقبل منه ، ويعطيه المصدق عشرين درهما أو شاتين . قلنا : قد أجاب عنه علماؤنا بأربعة أجوبة : أحدها - أن هذا خبر واحد يخالف الأصول ، وعندهم إذا خالف خبر الواحد الأصول بطل في نفسه . الثاني - أنّ هذا الحديث لم يخرج مخرج التقويم ، بدليل أنه لم يقل : ومن بلغت صدقته بنت مخاض ، وعنده بنت لبون ، فإنها تؤخذ منه ويعطى عشرين درهما ، وإنما كان القياس أن يقول : فإنها تؤخذ منه إذا عرفت قيمتها ، فلما عدل عن القيمة إلى التقدير والتحديد بتعيّن الشاتين أو العشرين درهما - دلّ على أنه خرج مخرج العبادة . الثالث - أن هذا إنما جوز في الجيران « 1 » ضرورة اختلاف السنين ، ولا ضرورة إلى إجزائه في الأصل ، فبقى على حاله . الرابع - أن كتاب عمر في الصدقة الذي رواه مالك وعمل به في الأقطار والأمصار أولى من كتاب أبى بكر الصدّيق الذي لم يجيء إلا من طريق واحدة . ولعله كان لقضية في عين مخصوصة . المسألة الثالثة - في معنى تسميتها صدقة : وذلك مأخوذ من الصّدق في مساواة الفعل للقول ، والاعتقاد ، حسبما تقدم في الآية قبلها . وبناء ( ص د ق ) يرجع إلى تحقيق شيء بشيء وعضده به ، ومنه صداق المرأة ؛ أي تحقيق الحل وتصديقه بإيجاب المال والنكاح على وجه مشروع . ويختلف في ذلك كله بتصريف الفعل ، يقال : صدق في القول صداقا وتصديقا ، وتصدقت بالمال تصدقا ، وأصدقت المرأة إصداقا . وأرادوا باختلاف الفعل الدلالة على المعنى المختص به في الكل . ومشابهة الصدق هاهنا للصدقة أن من أيقن من دينه أنّ البعث حق ،

--> ( 1 ) في ل : في العمران .